محمد بن جرير الطبري

275

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وصفه - والله تبارك اسمه خادِعُه ، بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاةُ نفسه في آجل مَعادِه ، كالذي أخبر في قوله : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ) [ سورة آل عمران : 178 ] ، وبالمعنى الذي أخبرَ أنه فاعلٌ به في الآخرة بقوله : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) [ سورة الحديد : 13 ] ، فذلك نظيرُ سائر ما يأتي من معاني الكلام ب‍ " يُفاعِل ومُفاعل " . وقد كان بعض أهل النحو من أهل البصرة يقول : لا تكون المفاعلة إلا من شيئين ، ولكنه إنما قيل : " يُخادِعون الله " عند أنفسهم ، بظنِّهم أن لا يعاقَبُوا ، فقد علموا خلافَ ذلك في أنفسهم ، بحجة الله تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته ، وما يخدعون إلا أنفسهم . قال : وقد قال بعضُهم : " وما يخدعون " يقول : يخدَعُون أنفسهم بالتَّخْلية بها ( 1 ) . وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة . * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ } إن قال قائل : أوليس المنافقون قد خدعُوا المؤمنين - بما أظهرُوا بألسنتهم من قيل الحق - عن أنفسهم وأموالِهم وذَرَاريهم حتى سلمت لهم دنياهم ، وإن

--> ( 1 ) يعني بقوله " بالتخلية بها " ، أي بالانفراد بها وإخفاء ما يبطنون من الكفر . كأن أراد أن يجعل اشتقاق " يخدعون " من المخدع ، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير ، وأراد الستر الشديد لما يبطنون . وأخلى بفلان يخلى به إخلاء : انفرد به في مكان خال . واستعمل " التخلية " بمعنى أنه حمل على الخلوة ، كأنه حمل نفسه على الخلوة بها والانفراد ، ليخفى ما فيها . وهذا الذي ذكره شرح لبقية الآية الذي سيأتي بعد .